اسد حيدر
524
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
ويعد أيام الشهور * ليوم تعداد النقود ولا كجواب ابن أبي ذؤيب الذي هو بكامل الصراحة والجرأة الأدبية التي فقدها مالك . ولم يحدثنا التاريخ بموقف مشهود له تتجلى به شجاعته واقدامه ، كغيره من العلماء الذين واجهوا المنصور في أحرج المواقف ، كعبد اللّه بن مرزوق عندما التقى بأبي جعفر في الطواف ، وقد تنحى الناس عنه . فقال له عبد اللّه : من جعلك أحق بهذا البيت من الناس تحول بينه وبينهم وتنحيهم منه ؟ فنظر أبو جعفر في وجهه فعرفه . فقال : يا عبد اللّه بن مرزوق ! ؟ من جرأك على هذا ، ومن أقدمك عليه ؟ فقال عبد اللّه : وما تصنع بي ؟ أبيدك ضرر أو نفع ؟ واللّه ما أخاف ضرك ولا أرجو نفعك ، حتى يكون اللّه عزّ وجل يأذن لك فيه . فقال المنصور : إنك أحللت بنفسك ، وأهلكتها . فقال عبد اللّه : اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري ، فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته عليّ ، وإن كان بيده منفعتي ، فاقطع عني كل منفعة منه ، أنت يا رب بيدك كل شيء ، وأنت مليك كل شيء . فأمر به أبو جعفر فحمله إلى بغداد ، فسجنه بها ثم أطلقه « 1 » . هكذا كان موقف ذوي الصراحة والجرأة الأدبية . أما مالك فلم يحدثنا التاريخ أنه أقدم على شيء من ذلك مع المنصور وغيره لكن يقال عنه : بأنه كان يدخل على الأمراء والخلفاء ويعظهم ويرشدهم ويدعوهم إلى الخير ، وأنه كان يحث العلماء على إرشاد الخلفاء والأمراء ، وقول الحق لهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . نعم يمكن أن ذلك كان يصدر منه مع أمراء المدينة بعد ما حظي بإقبال المنصور عليه وقربه منه ، فقد نقل أنه كان يطلب من مالك أن يبدي رأيه في ولاته على الحجاز ، وقال له في ذلك : إن رابك ريب من عامل المدينة ، أو عامل مكة ، أو أحد من عمال الحجاز في ذاتك أو ذات غيرك أو سوء أو شر في الرعية ، فاكتب إليّ بذلك أنزل بهم ما يستحقون .
--> ( 1 ) الإمامة والسياسة ج 2 ص 156 .